حبيب الله الهاشمي الخوئي

325

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

عليه فيشرف فوق حيطان المدينة رأسه وعنقه وكاهله لا يضرب ذنبه على شيء إلَّا حطمه وقصمه ويكسر بقوائمه الصخور الصمّ الصّلاب ويطحن كلّ شيء ويضرم حيطان البيوت بنفسه نارا ، وله عينان تلتهبان نارا ومنخران تنفخان سموما ، وعلى مفرقه كأمثال الرّماح ، وصارت الشعبتان له فيما سعته اثنا عشر ذراعا ، وفيه أنياب وأضراس وله صحيح وكشيش وصرير وصريف فاستعرضت ما القى السحرة من حبالهم وعصيّهم وهي حيّات في عين فرعون وأعين الناس تسعى تلقفها وتبتلعها واحدا واحدا حتّى ما يرى في الوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ، وانهزم الناس فزعين هاربين منقلبين ، فتزاحموا وتساقطوا ووطيء بعضهم بعضا حتّى مات منهم يومئذ في ذلك الزحام ومواطىء الأقدام خمسة وعشرون ألفا ، وانهزم فرعون فيمن انهزم منخوبا ( 1 ) مرعوبا عازبا عقله وقد استطلق بطنه في يومه ذلك أربعمائة مرّة ثمّ بعد ذلك إلى أربعين مرّة في اليوم والليلة على الدوام إلى أن هلك . فلما انهزم الناس وعاين السحرة ما عاينوا وقالوا لو كان سحرا لما غلبنا ولما خفى علينا أمره ، ولئن كان سحرا فأين حبالنا وعصيّنا ، فالقوا سجّدا وقالوا آمنا بربّ العالمين ربّ موسى وهارون ، وكان فيهم اثنان وسبعون شيخا قد انحنت ظهورهم من الكبر وكانوا علماء السحرة وكان رئيس جماعتهم أربعة نفر سابور وعادور وحطحط ومصّفادهم الذين آمنوا ورأوا ما رأوا من سلطان اللَّه ثمّ آمنت السحرة كلَّهم . فلما رأى فرعون ذلك اسف وقال لهم متجلَّدا * ( « قالَ آمَنْتُمْ لَه ُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّه ُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَ . أَبْقى قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما . جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِه ِ الْحَياةَ . الدُّنْيا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْه ِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَ » ) * فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم على جذوع النّخل وهو أوّل من فعل ذلك فأصبحوا سحرة كفرة وامسوا شهداء بررة ورجع فرعون مغلوبا معلولا ،

--> ( 1 ) - المنخوب الجبان الذي لا فؤاد له ، م .